ابن الحسن النباهي الأندلسي
227
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
قلت : « فإن فعل ؟ » قال : « يبطل ! » ثمّ قال لي : « وليس يبعد أن ينفذ ذلك » قلت : « فإنّ الحقّ الثابت عنده ببلده على من هو بموضع احتلاله ، فأعلم قاضي ذلك الموضع مشافهة بما ثبت عنده ، هل يكون كمخاطبته إيّاه بذلك من بلده ؟ » فقال لي : « ليس مثله » فقلت له : « وما الفرق ؟ » فقال لي : « هو في إخباره هنا بما ثبت عنده طالب فضول وما الذي يدعوه إلى ذلك » . قلت : « وما يمنع من إخباره له ويشهد عند المخبر بذلك ، وينفذه كما يشهد عندي بما يجري في مجلسه من إقرار وإنكار ، ويقضي به ؟ » فقال : « ليس مثله . ولكن « 1 » إن أشهد هذا القاضي المخبر بذلك شاهدين في منزله ، وشهدا بذلك عند قاضي المواضع ، نفذ وجاز ! » . قال ابن سهل : رأيت فقهاء طليطلة يجيزون بإخبار القاضي المحتلّ بذلك البلد قاضي البلدة وينفذ ، ويرونه كمخاطبته إيّاه . وفي ذلك كلّه من الاضطراب ما لا خفاء به . فجواب أصبغ ، في إجازته القاضي أن يسمع من البيّنة في غير عمله ، يخالف ما ذهب إليه ابن عبد الحكم في المسألة ، وقرّره صاحب « النوادر » من أنّ القاضي ، إذا كان في غير عمله ، فليس له أن يسمع من بيّنة أحد ، ولا يشهد على كتابه إلى قاضي بلد آخر إلّا ببلده . [ مسألة خطاب القاضي في غير عمالته ، وإنهاؤه ما ثبت عنده إلى غيره ] وأمّا مسألة خطاب القاضي في غير عمالته ، وإنهاؤه ما ثبت عنده إلى غيره ، فالصحيح فيه أنه شيء لا يقول عليه ، ولا يلتفت إليه ؛ لأنه ليس بوال في غير ولايته ، والقاضي المكتوب إليه يصل حكمه بحكم الكاتب ؛ ويثبته عليه . وإذ كان كذلك ، فإنه لا يلتفت إلى قول القاضي الكاتب إلّا في موضع تنفّذ فيه أحكامه . وقوله في غير ولايته : « ثبت عندي كذا » كقوله بعد عزله : « ثبت عندي كذا » . وهو والعدل سواء . قال عبد اللّه ابن شاس : ولو شافه القاضي قاضيا آخر ، لم يكف ؛ لأنّ أحدهما في غير محلّ ولايته ؛ فلا ينفع سماعه أو إسماعه ، إلّا إذا كانا قاضيين لبلدة واحدة ، أو التقيا من طرفي ولايته ، فذلك أقوى من الشهادة ، فيعتمد ، ولو كان المسمع في محلّ ولايته دون السامع ، ورجع السامع إلى محلّ ولايته ؛ فذلك كشهادة سمعها في غير محلّ ولايته ؛ فلا يحكم بها إذ لا يحكم بمجرّد علمه .
--> ( 1 ) في الأصل : « ولاكن » .